آقا بن عابد الدربندي
377
خزائن الأحكام
وليس هذا الأصل الا أصل مستقل وقاعدة مستتمة متلقاة بالقبول عند الكلّ سواء لوحظت بالنسبة إلى النبوة أو الاحكام فهذه القاعدة نحو من انحاء قاعدة الاشتغال وشعبة من شعبها وعلى قبولها ديدن العقلاء قديما وحديثا جيلا بعد جيل وحكم القوة العاقلة فلا يتمشّى ما ذكره في الاستصحاب وما اشترطه به فيها والتاسع ان غاية ما يوجه به كلامه بالنسبة إلى الفرع الذي فرّعه على أصله هو انه كما لا يجرى الاستصحاب فيما علم عدم امكان بقائه كذا فيما لم يعلم امكانه وعدمه كما فيما نحن فيه إذ لا يعلم أن الحكم هو المقيّد أو غيره فنقول ان هذا انما يتمشى إذا كان ما يراد استصحابه هنا الماهيّة بشرط ولكنه ما علم وجوده قطعا لا بشرط وهي ممكن البقاء قطعا والعاشر ان ما ذكره من مثال الحيوان أو قياسه امر النبوة وغيرها اليه « 1 » مما لا وجه له أصلا لان الذي لا يمكن فيه هو عدم الحكم الواقعي حسبما لا يترتّب عليه امر شرعىّ حيث إنه لا وجه للحكم ببقاء شيء لا يعلم أنه باق أم لا واما إذا ترتب عليه امر شرعىّ فلما ثبت من الشرع وجوب الحكم بالبقاء اى بترتب الآثار المترتبة على بقائه شرعا عليه بلا نم عدم امكان الحكم بالبقاء بهذا المعنى ولذا لو قال الشارع في مثال الحيوان لا تدخل هذه القرية ما دام فيه ذلك الحيوان لا نجوز الدّخول الا بعد مضىّ مدة عمر الأطول امتدادا والحادي عشر انه لو كان ما ذكره صحيحا لزم عدم جريان الاستصحاب في أكثر الموارد التي اجمعوا على جريانه فيها إذ لا يكون في الأكثر استصحاب الا فيما كان الثابت كليا ذا افراد بعضها غير صالحة للامتداد إلى زمان أو حال يستصحب اليه فان مراده من كون الكلى ذا افراد متفاوتة لا يمكن ان يكون ذا افراد موجودة في الخارج والا لم يكن نبوة عيسى ع من هذا القبيل إذ لا يمكن ان يكون الفردان المذكوران منها في الخارج موجودين بل يجب ان يكون مراده كونه كل في لحاظ العقل ويكون الافراد افراده المحتملة الوجود وان لم يكن الموجود الا واحدا منها ولا شك ان الموارد التي يجرى فيها الاستصحاب لا بد من أن يكون الحكم ذا فردين أو أكثر عند العقل ولم يعلم انّ ايّهما الموجود والا لم يحصل الشك ولم يحتج إلى الاستصحاب وقد يستنهض هذا بنحو آخر وهو ان فتح هذا الباب يوجب سدّ مسلك الاستصحاب في أكثر المواضع إذ الشك في الأكثر انما بسبب ما ذكر من الشّك في مقدار قابلية الموضوع واستعداده ومقدار امتداده ففي الثوب الرطب مثلا بعد وجدانه ملاقيا للنجس يابسا مع العلم بزمان طرحه عن الموضع الذي وضع فيه ليجف وعدم مكثه الا ساعة واحدة قد رجع الشك إلى مقدار الرّطوبة واستعدادها فلو كانت رطوبة شديدة لا يرفعها الشمس في قرب ساعة فهو نجس لأنه لاقى نجسا وان كانت ضعيفة فهو لم يلاقه الا طاهرا وهكذا غير ذلك من الأمثلة التي لا تعدّ ولا تحصى بل عند التدقيق يرجع الجميع إلى ذلك والثاني عشر انه لو أبقى كلام هذا المحقق على ظاهر لتطرق اليه المحاذير والمفاسد ولو وجّه بشيء بحيث يستصحه ويستتمه لزم ان يؤجّه بانّه يريد ان يفرق بين الشك في المقتضى والشك في المانع إذ لا شيء سواه في المقام حتى يوجه به كلامه ويدخل بذلك في جملة المستصحات فح يرد عليه ان هذا رجوع عما بنى عليه الامر في الاوّل من عدم تفرقته بينهما لكنه مما فيه الأمر سهل إذا عرفت هذا فاعلم أن هذه الايرادات هي أكثر ما يرد عليه وعمدة ما يزيّف به كلامه بل كل ما يتصور من المناقشات والاعتراضات مما يمكن ادخاله تحتها ولو بنوع من العناية ثم إن من تأمل حق التأمل فيما قدمنا وأمعن النظر فيما حرّرنا في بيان مراد المحقق المزبور يقدر على دفع أكثر هذه الايرادات ولكن مع ذلك لا نقتصر على ما قررنا بل نذكر هنا وجه اندفاع كل واحد واحد منها فنقول انه يرد على الأول ان المحقق المزبور لا يدعى التحديد بزمن معيّن بعلمه الكل بل يريد ان نبوة الأنبياء ع من أصحاب الشرائع ممن قبل هذا النّبى الذي يريد أهل ملته من اليهودي أو النصراني استصحاب بنوته من الأمور المختلفة بحسب الأزمنة والمتخالفة بحسب الاستعدادات والامتدادات مثلا كان امتداد نبوة نبىّ مدة الفين سنة ونبوة نبيّ آخر الف سنة ونبوة نبيّ آخر أزيد من هذا أو انقص وهكذا وهذا مما لا ينكره المستصحب أيضا فإذا كان الحال على هذا المنوال وكان ملاك الامر في الاستصحاب على الظن فكيف نستصحب نبوّة عيسى ع مثلا إلى الأبد أو إلى مثل زمن النبوة التي هي أكثر امتداد أو اما قضية اختلال الامر على الأمم السّابقة لولا التمسك بالاستصحاب إلى آخر كلامه فمن القضايا المتخيّلة في بادي الانظار إذ انتظام الامر انما بالرّجوع إلى الأنبياء والأوصياء الذين كانوا في دين هذا الرسول صاحب الشريعة وبما اتاهم اللّه تعالى من البيّنات وما بيّنه الرسول من الأمور المفيدة للقطع واليقين والمزيحة العلل والشكوك في الاعتقاديات بحيث انها يقلعها من أصلها حتى لا تحتمل احتمالا لا بالرجوع إلى الاستصحاب الذي غاية درجته إفادة الظن بل هذا مما ينافي بعض القواعد العدلية من وجوب اللطف على اللّه تعالى والعجب من المورد حيث لا يعتد في الاحكام الفرعيّة بالاستصحاب الا لأجل الاخبار ويتفوه في المقام بما ذكر هذا ويرد على الثاني انه من الأبحاث الناشئة عن عدم الاهتداء إلى ما رامه المحقق المزبور من قوله ان الاطلاق أيضا في معنى القيد وقد بيّنا مرامه بحيث إذا تأمل فيه المتأمل علم عدم استطراق هذا الايراد اليه وكيف كن فإنه فرق بيّن بين ان الاطلاق في معنى القيد والاطلاق قيد ولم يتكلم المحقق المزبور الا بالأول ويرد على الثالث ما أوردنا على الأول إذ التفاوت بينهما انما بتغيير العبارة والأسلوب ويرد على الرابع ان الفرق بين الإطلاق والاجمال انما هو بحسب ما ينبعث عنهما من إفادة الاستعداد وقابلية الامتداد إلى ما يستصحب اليه وعدم ذلك فإذا أفاد الاوّل فكيف يكون مرجعه إلى الثاني الذي لا يفيده ويرد على الخامس ان هذا
--> ( 1 ) هو الماهيّة عليه